صديق الحسيني القنوجي البخاري

446

فتح البيان في مقاصد القرآن

فيها واختصاصها بزيادة الثواب ، والراجح عدم تخصيص ليلة من الليالي دون أخرى . قال ابن عباس إِذا يَسْرِ إذا ذهب ، ويسر مأخوذ من السري وهو خاص بسير الليل ، يقال سريت الليل وسريت به ، وقد استعملت العرب سرى في المعاني تشبيها لها بالأجسام مجازا ، واتساعا نحو طاف الخيال وذهب الهم وأخذه الكسل والنشاط . وقول الفقهاء سرى الجرح إلى النفس معناه دام ألمه حتى حدث منه الموت ، وقطع كفه فسرى إلى ساعده أي تعدى أثر الجرح ، وسرى التحريم وسرى العتق بمعنى التعدية . وهذه الألفاظ جارية على ألسنة الفقهاء ، وليس لها ذكر في الكتب المشهورة لكنها موافقة لما تقدم . قال الفارابي سرى فيه السم والخمر ونحوهما ، وقال السرقسطي سرى عرق السوء من الإنسان ، وقال ابن القطاع سرى عليه الهم أتاه ليلا ، وسرى همه ذهب . [ سورة الفجر ( 89 ) : الآيات 5 إلى 10 ] هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ ( 5 ) أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ ( 6 ) إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ ( 7 ) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ ( 8 ) وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ ( 9 ) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ ( 10 ) هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ هذا الاستفهام لتقرير تعظيم ما أقسم اللّه سبحانه به وتفخيمه من هذه الأمور المذكورة ، والإشارة بقوله : ذلِكَ إلى تلك الأمور . والتذكير بتأويل المذكور ، أي هل في ذلك المذكور من الأمور التي أقسمنا بها قسم أي مقنع ومكتفى في القسم أو مقسم به حقيق بأن يؤكد به الأخبار ، وأيا ما كان فما فيه من معنى البعد للإيذان بعلو رتبة المشار إليه وبعد منزلته في الفصل والشرف . لِذِي حِجْرٍ أي عقل ولب ، فمن كان ذا عقل ولب علم أن ما أقسم اللّه به من هذه الأشياء حقيق بأن يقسم به ، ومثل هذه قوله : وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ [ الواقعة : 76 ] قال الحسن : لذي حجر أي لذي حلم ، وقال أبو مالك : لذي ستر من الناس ، وقال الجمهور : الحجر العقل قال الفراء : الكل يرجع إلى معنى واحد لذي عقل ولذي حلم ولذي ستر ، الكل بمعنى العقل . وأصل الحجر المنع يقال لمن ملك نفسه ومنعها أنه لذو حجر ، ومنه سمي الحجر لامتناعه بصلابته ومنه حجر الحاكم على فلان أي منعه ، قال والعرب تقول إنه لذو حجر إذا كان قاهرا لنفسه ضابطا لها ، قال ابن عباس لذي حجر لذي حجى وعقل ونهي . ثم ذكر سبحانه على طريق الاستشهاد ما وقع من عذابه على بعض طوائف الكفار بسبب كفرهم وعنادهم وتكذيبهم للرسل تحذيرا للكفار في عصر نبينا صلى اللّه عليه وسلم ، وتخويفا لهم أن يصيبهم ما أصابهم فقال : أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ أي ألم تعلم يا محمد علما يوازي العيان في